أقلام يورابيا

أوروبّا… وثورة الجيوب

الأب ميلاد جاويش

الأب ميلاد جاويش

يبدو أنّ أوروبّا قد مَلَّت الهدوء. ما شهدته شوارع باريس وبروكسيل من مظاهرات غاضبة يترك لدى المراقب هذا الانطباع. الشعب الأوروبّيّ، وإن كان عادةً حضاريًّا في تصرّفه، فهو لا يقلّ عنفًا عن باقي الشعوب. أعظم حربَين عالميّتَين في التاريخ أشعلهما أوربّيّون وعلى أرض أوروبّيّة.

الشعب في أوروبّا ضحيّة ثقافة استهلاكيّة جامحة. نشرات الأخبار عندهم لا تنقل استقبالات البلاط الملكيّ ولا خُطَب الأمراء، بل يدور معظمُها حول ما يمسّ جيبة المواطن وأكله وشربه. المجتمع هنا يلهث وراء رَغده: كيف يعيش، كيف يدّخر، كيف يوفّر، كيف يقضي عطلته الصيفيّة… شاهدتُ مرّة دعاية عن “شومبوان” تُغري الزبون بكونه لا يحتاج إلى قدر كبير من الماء لتشطيف الشَعر من الرغوة، فتأتي في المحصّلة فاتورة المياه أقلّ! لم تحترق باريس الأسبوع الماضي بسبب تهجّم هذا الزعيم على ذاك، بل لأنّ الدولة زادت ضريبة على المحروقات.

الحياة السياسيّة في أوروبّا ليست طوباويّة كما نعتقد غالبًا. المصلحة هنا سيّدة الموقف. هذا الحزب يتحالف مع ذاك لأنّ مصالحهما المشتركة التقت. أين المبادئ؟ في الدِرج. المصلحة أينما كان، وكذلك الجشع. والأفظع فساد العقليّات وتدهور الخدمات لا سيّما في الأحياء التي يسكنها عرب. دخلَ بعض هؤلاء سلك الدولة وأدخلوا معهم للأسف فسادَهم.

أوروبّا تغيّرت. أرهقتها حضارة الترف. لم يعد هناك من مستعمرات تدرّ لبنًا وذهبًا وعسلاً. كثيرٌ من معالم بروكسيل الضخمة بُنيت من أموال الكونغو. أتت مؤخّرًا موجة الهجرة لتزيد الطين بلّة. بدأ الأوروبّيّ يعدّ ويحسب ما تكلّفه فواتير العناية المجّانيّة باللاّجئين. شهدتُ مرّةً على انتفاضة امرأة بلجيكيّة عاملة ضدّ سخاء الدولة مع الوافدين الجُدد: “يقبضون أكثر ممّا أقبض مع أنّهم لا يستيقظون باكرًا ليذهبوا إلى أعمالهم ولا يلفحهم صقيع الصباح ولا يدفعون ضريبة واحدة ولا تقطر من جبينهم نقطة عرق!”. الثورة في أوروبّا تولد في رحمِ الجيوب، عندما تُمَدّ اليد إلى جيوب الشعب!

نحن، الشرقيّين القاطنين أوروبّا، نرى القارّة العجوز غير ما يراها مواطنوها الأصليّون. نعيش على أرضها ونأكل من خيراتها وكثيرون منّا يبادلونها الحبّ والوفاء. مع ذلك ينقص أوروبّا شيء ما. ينقصها قليل من “الروح”، روح ذلك الشرق الساحر. تبدو لي أوروبّا أحيانًا قصرًا فخمًا، فاخر الأثاث، لكنّه يبقى قصرًا باردًا ينقصه نَفَسُ الأطفال، روحُهم، لهوهُم، صراخهم… كلّ شيء منظّم هنا حدّ الرتابة. إذا أراد سكّان العمارة هنا أن يفرحوا ويضجّوا، تراهم يلتقون على كأس نبيذ عند مدخل العمارة في عيد أسموه “عيد الجِيرة”… هذا كلّ شيء. كأس نبيذ، والجارُ جاركَ ليوم واحد…

هناك حرارة مفقودة: حرارة العائلة والعلاقات والمناسبات والأعياد… وبالأخصّ حرارة الإيمان. في نظر العرب، أوروبّا هي “مسيحيّة”. بيد أنّ المسيح يسوع خافت في هذه البلاد. إن حَيَا ففي قلوب ليست بعديدة، في قلوب خجولة وفي أغلبها صامتة. بلادٌ مسيحيّة بالاسم. كانت مؤمنة في الزمن الغابر، أمّا الآن فهي بحاجة إلى إعادة تبشير. قال لي يومًا مواطن بلجيكيّ: “أنتم الشرقيّون، كونوا لنا رسلاً يُرينا وجه الإيمان الحلوّ”.

في الغرب، إنْ قلتَ: “أنا مؤمن كاثوليكيّ”، فمن الممكن أن تُجابَه بالهزء، كما لو أنّ الإيمان أصبح في هذه البلاد موضةً قديمة بالية. في إسبانيا اليوم، الكاثوليك يُضطهَدون أيّما اضطهاد!

يخاف العالم اليوم من “المؤمنين”، من أولئك الذين “يكبّرون” الله وينحرون الإنسان. نحن لسنا من جنس المؤمنين هذا. مطلقًا! إيمانُنا لطف ووداعة. دفء. فرحٌ ورجاء. وجهٌ يبتسم ويدٌ تُلاقي.

إيماننا دفء للقلب. القلب المؤمن هو قلب مفعم بحبّ الله، بخوفه. يقول قرآنُ المسلمين: “إنّما المؤمنون الذين إذا ذُكرَ الله وَجِلَت قلوبُهم”، أي خافت ورهبت. نخافُ الله، ليس لأنّ الله مُخيف مرعب. نخاف الله لأنّنا نحبّه. والخوف في المحبّة جلال. الخوف المغلَّف بالمحبّة محبّة. لا “نخاف من الله”، بل “نخاف على الله”. نخاف أن نُحزنه. نخاف أن يُشيحَ بوجهه عنّا. لذا نترجّى لاهفين: “لا تَطْرَحْنا من أمام وجهك” (مزمور 51: 13). إن كان له أن يحجبَ وجهه، فعن خطايانا لا عنّا (مزمور 51: 11).
من يؤمن يَأمن. ومن لا يؤمن يَبرد، تبرد روحه ويصطكّ قلبُه. وما أهونَ برد الأجساد أمام برد القلوب!

خطبتُ مرّةً في مؤمنيّ، وجُلّهم لاجئون جدد: “في قلب أوروبّا، أرادنا الربُّ أن نكون. كائنًا مَن كنّا، ولأيّ سبب نحن هنا، شاء الربّ أن نشهد له في أرض الغربة هذه. لنُعطِ أوروبّا الجافّة بعضًا من رطوبة الشرق، بعضًا من دفء العلاقات، من حرارة الإيمان… غير أنّنا مَدينون لأوروبّا بالكثير ولبلجيكا بالأخصّ التي نأكل ونحيا من خيراتها. دعونا نتعلّم من ناسها رجاحة العقل، ومن موظّفيها احترام الوقت، ومن شبابها الانكباب على القراءة، ومن طرقاتها الالتزام بالقوانين، ومن دولتها رقيّ الإنسان… الشرقيّ عادةً فوضويّ بطبعه، يُغلبُ قلبه وهواه على عقله. لنأخذ من بلجيكا عقلَها، ولنُـزوِّدها نحن بقلبنا”.

ما نرجوه لأوروبّا الحبيبة ثورة القلوب، لا فقط ثورة الجيوب.

تعليق واحد

  1. كلام عميق يحاكي العقل والقلب.يسرد الحقيقة كما هي يا ليت المشرقيون يصبحون رسلا ومبشرين بدل من لاجئين ويا ليت الاوروبيون يعودون الى اصولهم وصوابهم.احسنت ايها الاب الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق