أقلام يورابيا

الإماراتيّون… لن يكونوا كما كانوا

الأب ميلاد جاويش

الأب ميلاد جاويش

كُتبَ الكثير عن زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى الإمارات العربيّة المتّحدة. لن أزيد.

بعيدًا من بروتوكولات الزيارة وفخامة الأمكنة وانتظام الاستقبالات – وفي هذه لا يجرؤ أحد على مقارعة الإماراتيّين – لا بدّ من توجيه كلمة شكر وتقدير إلى قادة الإمارات الذين أصرّوا على أن يستقبلوا ضيفهم المميّز بما يليق به وبهم من الإكرام. كانوا حقًّا “إخوة في الإنسانيّة”! أنا، الكاهن المسيحيّ الكاثوليكيّ، لا يسعني إلاّ أن أثمّن ما قاموا به ولن أكترث إن كانت تكمن خلفَ هذا التكريم أهدافٌ جيو-سياسيّة ضيّقة. فلا هم أغبياء ولا دولة الفاتيكان ساذجة لدرجة أن تنجرّ أو تتسامح مع من أراد استغلال مكانة الأب الأقدس.

ليس من شِيَمي التبجيل الرخيص الساعي وراء منفعة، لكن ما جرى في خفايا الزيارة جدير بأن نُبرزه إلى العلن. سبق لنا، في لبنان، أن حظينا بزيارتين بابويّتين، قداسة البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني سنة 1997 وقداسة البابا السابق بندكتوس السادس عشر سنة 2012. لذلك نحن أدرى الناس بما تتطلّبه مثل تلك الزيارات من تحضير مُرهق وتنسيق دقيق وبما تحويه من مشاهد معبّرة لا يفقه لها إلاّ مَن داس قداسة البابا أرضَ بلاده. أن تزدان مثلاً الشوارع، كلّ الشوارع في كلّ المناطق، الإسلاميّة منها والمسيحيّة، بالأعلام الفاتيكانيّة وصُوَر البابا الضيف، فهذا تفصيل ليس هامشيًّا. أن يتزاحم الناس، كلّ الناس بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم، على الأرصفة والطرقات واقفين تحت منصّات التأهيل ليرحّبوا ببابا الكنيسة الكاثوليكيّة، فهذا مشهد غير عاديّ. أن يُستنفَر الجيش والقوّات الأمنيّة ويضطرّ ضبّاط ورتباء وعناصر من كافّة المِلَل أن يحموا أسقفَ روما بأجسادهم لا بل بعيونهم، فهذا أمر يجب التنويه به.

في الإمارات تأخذ هذه المشاهد وغيرها طابعًا أكثر تميّزًا. أتخيّل مثلاً رجلَ الأمن الإماراتيّ، بدشداشته البيضاء، مضطرًّا أن ينسّق مع أحد الأساقفة شؤون القدّاس الإلهيّ وترتيباته، وهو حتمًا لا ناقة له فيها أصلاً ولا جمل. أن يحضر أربعة آلاف مسلم القدّاس ويشاهدوا هؤلاء المسيحيّين الأجانب يصطفّون بتهيّب وخشوع لتناول “خبزة” بيضاء يؤمنون بأنّها “جسد الربّ”، فهذا أمر فيه من الفرادة ما يُدهش. أن يشاهد شبابُ الإمارات في ديارهم، لا بل في قصرهم الرئاسيّ وجامعهم الأكبر، هذا الكمّ من الكرادلة والأساقفة والقساوسة بلباسهم الرسميّ وكلّ شاراتهم الكنسيّة وصلبانهم، فهذا أمر استثنائيّ جدًّا…

هاتفت صديقي المقيم في دبي لأستجلي منه ردّة فعل الشارع الإماراتيّ على زيارة قداسة البابا، فقال لي: “زيارة البابا مهمّة جدًّا والكلّ هنا يتكلّم عنها: في الراديو والتلفزيون وعلى الطرقات… الشعب هنا، خصوصًا الشباب اليافعون، لا فكرة لديهم عن التنوّع الدينيّ. والسلطات تعمل على ترسيخ فكرة التنوّع في وعيهم. من سنتين أو ثلاث أصدر الشيخ محمّد بن راشد قانونًا يعاقب شديدًا من يتنمّر أو يسيء إلى أيّ شخص مقيم في دبي من باب انتمائه الدينيّ. الشعب هنا يرى في قادته قدوة، فعندما يراهم يكرّمون البابا فهو أيضًا يحترمه ويحبّه…”.

الإماراتيّون بعد زيارة قداسة البابا فرنسيس لن يكونوا كما كانوا قبلها. هذه قناعتي الراسخة. أنا من الذين يؤمنون بأنّ الزيارات البابويّة لا يقتصر مفعولها على المسيحيّين فقط، بل يطال أيضًا المسلمين. عن زيارة الباباوات إلى البلدان العربيّة وعمّا يمكن أن تترك خلفها من آثار، اسألوا اللبنانيّين. مذ أن كرّس البابا الراحل القدّيس يوحنّا بولس الثاني لبنان “بلد الرسالة”، لم يَعُد مسلمو لبنان كما كانوا من قبل. هناك شيء فيهم تغيّر، ولو ببطء. لقد باتوا أشدّ اقتناعًا وإيمانًا وتيقّنًا بأنّ لبنان لا يمكن أن يستمرّ من دون مسيحيّيه. وجود المسيحيّين بينهم ليس ضرورة فحسب بل حياة لهم، ليس لأنّ المسيحيّين أشدّ تميّزًا منهم، بل لأنّ لبنان يفقد جوهر وجوده وهويّته إن رحلوا.

قرأتُ بتأثّر عميق ما قاله يومًا في مسيحيّي لبنان مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ عبد اللطيف دريان، سنة 2014 أي قبل خمس سنوات من توقيع وثيقة “الأخوّة في الإنسانيّة” في الإمارات. خطاب ولا أرقى! أترككم مع بعض فقراته:

“لقد عشنا مئات السنين معًا مختلفين دينيًّا، وعرفتْ حياتُنا المشتركة أيّام سعادةٍ ورخاءٍ وأيّامَ بؤسٍ وشقاء، إلاّ أنّنا صنعنا حضارةً واحدة وثقافةً واحدة. ولذلك فإنّ هدف حوارنا اليوميّ هو تنمية ثقافةٍ تقبلُ الاختلاف واحترامَ المختلف معه والعيش معه بثقة ومحبّة. ونحن لا نسعى من وراء حوارنا إلى تخطئة الآخر أو إلى تسفيه رأيه، إنّما نتطلّع إلى البحث عن الحقيقة في وجهة نظره المختلفة. وهذا يعني أنّنا ننطلق في حوارنا من الإقرار بأنّنا عندما نقوم بمهمّة تنظيم علاقاتنا الإنسانيّة والوطنيّة لبناء قاعدة مشتركة لحياتنا، فإنّ أيًّا منّا لا يملك الحقيقة المطلقة. وأنّه لا بدّ من الحوار لبناء جسور المعرفة التي تعبر عليها الحريّةُ المتبادلة التي بدونها لا يمكن أن يقوم عيش مشترك، ولا حتّى عيش منفرد.

“إنّ من أهم القواعد التي تقوم عليها حياتنا المشتركة هي قاعدة الحقّ… قد تقوم حياة مشتركة على قاعدة التسامح. ولكنّها لا تدوم. ذلك أنّ في التسامح نوعًا من الفوقيّة. فوقيّة المتسامِح تجاه المتسامَح معه. والأوطان التي تقوم على هذه القاعدة تبقى دائمًا معرّضة للاهتزاز والتصدّع لدى وقوع أيّ تغيير على المعادلات السياسيّة أو الاجتماعيّة أو حتّى على المزاج العامّ. قد يقوم وطن على قاعدة التسامح ولكنّه لا يستطيع أن ينهض وأن يستمرّ ويزدهر على أساس هذه القاعدة لما فيها من دونيّة تنتهك كرامة الإنسان وكرامة الجماعة المتسامح معها. هذا لا يعني إنكار فضيلة التسامح بين الناس. إلاّ أنّ المحبّة قيمة أسمى، وما يصحّ في العلاقات التسامحيّة بين الأفراد، على أهمّيّته، لا يصلح أن يحلّ محلّ الحقوق الوطنيّة. إنّ احترام هذه الحقوق هو الذي يحقّق العدالة والمساواة بين المواطنين، وهو الذي يصون لهم حرّيّاتهم، وهو الذي يؤمّن الاستقرار والازدهار والسلام.

“لا نريد أن نرى أهلنا وإخواننا وأحبّتنا من مسيحيّي الشرق يهاجرون من أوطانهم تحت أيّ ظرف من الظروف. ولا نريد أن نرى تسهيلات خارجيّة تُشجّعهم على الهجرة تحت مسميّات إنسانيّة. إنّهم ملح هذه الأرض، فاذا غادروها فبماذا نملّح؟ نريد أن نراهم متمسّكين بأوطانهم، متجذّرين في أراضيهم، مستمتعين بحقوق المواطنة كافّة من عدالةٍ وأمنٍ وسلام. فالاعتداء على أيّ منهم هو اعتداء علينا جميعًا. ولذلك فإنّ التصدّي لظاهرة الإرهاب الإلغائيّ للآخر، والتي تستهدفنا معًا، هي مسؤوليّتنا المشتركة. ويجب أن نقوم بهذه المسؤوليّة معًا”.

“إنّهم ملح هذه الأرض، فاذا غادروها فبماذا نملّح؟” ليس يسوع من يتكلّم هنا، بل مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الإسلاميّ الهوى والهويّة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق