السلايدر الرئيسيشرق أوسط

العلولا في بيروت بعد ظريف: “المسار الإيرانيّ مختلفٌ تمامًا عن المسار السعوديّ ولا تنافُس أو تعارُض” بينهما

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ بينما تتركَّز أنظار اللبنانيّين على متابعة وقائع جلسات مجلس النوّاب الخاصّة بمنح الثقة للحكومة الجديدة التي تشكَّلَت مؤخَّرًا بعد قرابةَ التسعةِ أشهرٍ من التعثُّر، وعشيّة حلول موعد إحياء ذكرى استشهاد رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري يوم الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) عام 2005، استهلّ المستشار في الديوان الملكيّ السعوديّ نزار العلولا نشاطاته الرسميّة اليوم الأربعاء بزيارة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في قصر بعبدا، وذلك بعد أن كان قد وصل الليلة الفائتة إلى بيروت، حاملًا معه تهنئةَ بلاده بتشكيل الحكومة التي عبَّر عن أمله في أن تكون فأل خيرٍ على اللبنانيّين، ورسالةَ دعمٍ قويّةً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ووليّ عهده الأمير محمد بن سلمان حول رغبة المملكة العربيّة السعوديّة في الوقوف إلى جانب لبنان وحكومته على كافّة المستويات، والعمل على تعزيز العلاقات المميَّزة بين البلدين.

لا شكّ في أنّ إشارة المستشار العلولا في المطار البارحة إلى أنّ “المسار الإيرانيّ مختلفٌ تمامًا عن المسار السعوديّ ولا تنافُس أو تعارُض” بينهما في لبنان، وإنْ كانت أسبابها تبدو منطقيّةً جدًّا في هذا التوقيت بالتحديد نظرًا لأنّها تعود في الأصل إلى رغبته في عدم إعطاءِ أيِّ أهمّيّةٍ لمسألةِ تزامُن وصوله إلى بيروت مع انتهاء زيارة وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف ومغادرته عائدًا إلى بلاده، ولكنّ ما لم يكن منطقيًّا على الإطلاق يتمثَّل في الشقّ المتعلِّق بعدم وجود تنافُسٍ أو تعارُضٍ بين الرياض وطهران على الساحة اللبنانيّة، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ علاقات المملكة بلبنان لم يكن ليُقدَّر لها أن تصِل إلى حدٍّ غيرِ مسبوقٍ من التدهوُر منذ قرابةَ الثلاثةِ أعوامٍ من الزمان لولا وصول الصِدام السعوديّ – الإيرانيّ غيرِ المباشِر على الساحة السوريّة إلى أشدِّه وقتذاك، وخصوصًا بعدما راحت موازين القوى هناك تميل باضطرادٍ لصالح نظام الرئيس بشّار الأسد على حساب مصالح الراغبين في إسقاطه، أميركيًّا وأوروبيًّا وتركيًّا وخليجيًّا، وهي الموازين التي لا يختلف اثنان على أنّ مقاتلي “حزب الله” اللبنانيّ المدعوم من إيران كان لهم الدور الأبرز على الأرض في إيصالها إلى ما وصلَت إليه، تمامًا مثلما كان للقاذفات العسكريّة الروسيّة في الموازاة الدور الأبرز نفسه من السماء.

وإذا كان مسلسل تدهوُر العلاقات السعوديّة – اللبنانيّة قد بدأ في مثل هذا الشهر من عام 2016 على خلفيّة استياء المملكة من المواقف “الخارِجة عن الإجماع العربيّ” التي عبَّر عنها وزير الخارجيّة اللبنانيّ جبران باسيل في حكومة رئيس الوزراء السابق تمّام سلام أثناء انعقاد كلٍّ من مؤتمريْ وزراء الخارجيّة العرب في القاهرة ومنظّمة العمل الإسلاميّ في جدّة، فإنّ وصول الأمر إلى حدِّ الإعلان عن أنّ “السعوديّة تعتزم إعادة النظر بعلاقاتها مع لبنان”، بدءًا من تجميد هِبَتها الماليّة المقرَّرة لدعم مؤسّسة الجيش اللبنانيّ، مرورًا بحثِّ مواطنيها على عدم السفر إلى لبنان “حرصًا على سلامتهم”، وانتهاءً بالطلب من رعاياها المقيمين أو الزائرين “المغادرة وعدم البقاء هناك إلّا للضرورة القصوى مع توخّي الحيطة والحذر والاتّصال بسفارة المملكة في بيروت لتقديم التسهيلات والرعاية اللازمة”، حمَل في سياقه ما يكفي من إيحاءاتٍ تدلُّ إلى أنّ الرياض استهدَفت في الأساس من وراء كلّ هذه الإجراءات ممارسة الضغط على لبنان الرسميّ من أجل إلزامه بممارسة الضغط على “حزب الله”، خدمةً لأجنداتها في كلٍّ من سوريا ولبنان على حدٍّ سواء، وربّما في العراق أيضًا، وإلّا لكان أقصى مجالٍ يمكن أن تصِل إليه في مجال التعبير عن استيائها من مواقف الوزير باسيل قد توقَّف عند سقف استدعاءِ السفير اللبنانيّ في السعوديّة إلى مقرّ وزارة الخارجيّة في الرياض، وتسجيلِ ما يُفترَض تسجيله من ملاحظاتٍ، وطرْحِ ما يُفترَض طرحه من استفساراتٍ، سعيًا إلى حلّ مشكلة التبايُن في وجهات النظر بين “البلدين الشقيقين” ودّيًّا وأخويًّا، وعلى أساس ما هو معروفٌ عن “أخلاقيّات الاحترام المتبادَل” القائم بينهما، ووفقًا لما تقتضيه قواعد وأصول التعامُل الديبلوماسيّ بين الدول المحترَمة، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدّي حتمًا إلى “لفلفة” الأزمة، أو على الأقلّ إلى الحيلولة دون تأزيمها أكثر.

ولعلّ ما ينبغي التذكير به هنا أيضًا هو أنّ كافّة المواقف الاستدراكيّة التي اتّخذها المسؤولون اللبنانيّون وقتذاك، بدءًا من بيان حكومة الرئيس تمّام سلام الصادر على خلفيّةِ نوايا صادقةٍ ونابعةٍ من الحسّ بالمسؤوليّة تجاه خير البلدين ومصالح شعبهما على حدٍّ سواء، مرورًا بالبيان المماثِل لـ “قوى 14 آذار”، وانتهاءً بحملة التوقيع على “وثيقة الوفاء للمملكة والتضامُن مع الإجماع العربيّ”، لم تُسفر في نهاية المطاف عن أيِّ نتيجةٍ عمليّةٍ على صعيد تدارُكِ الأزمة وحمْلِ الرياض على التراجع عن موقفها، خلافًا لما هو الحال عليه اليوم بالاستناد إلى ما يمكن استقراؤه بين سطور تصريحات المستشار في الديوان الملكيّ السعوديّ نزار العلولا في بيروت، ولا سيّما عندما أكَّد على أنّ زيارته “مرتبطةٌ بتشكيل الحكومة”، مشيرًا إلى وجود “أكثر من عشرينَ اتّفاقًا بين السعوديّة ولبنان وإن شاء الله كلّها ستُفعَّل”، وموضِحًا أنّه “كما اللبنانيّون كانوا ينتظرون تشكيل الحكومة، كذلك نحن”، قبل أن يستطرد قائلًا: “نحن دائمًا نراهِن على ذكاء اللبنانيّ ونجاحه، هو الناجح في كلّ العالم، ولا ينقص اللبنانيّين إلّا المزيد من التفاهُمات”، منوِّهًا بأنّ “اللبنانيّ يتمتَّع بقدراتٍ يستطيع من خلالها قيادة منطقة الشرق الأوسط، فكلّ شيءٍ عنده: التراث والثقافة والذكاء”… وحسبي أنّ هذا الكلام إنْ دلَّ إلى شيءٍ ملموسٍ، فهو يدلُّ إلى ظهور المؤشِّرات الأوّليّة على عودة المياه إلى مجاريها الطبيعيّة بين الرياض وبيروت، تمامًا مثلما يدلُّ أيضًا إلى أنّ السعوديّة أوشكَت على القبول بمبدأ التعامُل مع لبنان بكلِّ مكوِّناته من دون أيِّ استثناءٍ وفقًا لما هو متاحٌ في المعادلة اللبنانيّة الراهنة… وحسبي أنّ الأمر إذا كان يسير على هذا النحو بالفعل، فعندئذٍ يمكن إضفاء صفة المنطق على ما قاله المستشار العلولا عن أنّ “المسار الإيرانيّ مختلفٌ تمامًا عن المسار السعوديّ ولا تنافُس أو تعارُض” بينهما في لبنان، عسى أن يُصبح في إمكان اللبنانيّين يومًا توحيد المسارين وردْم الهوّة بين الطرفين… والخير دائمًا في عهد رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق