أقلام يورابيا

“عن اسرار الليل وسكانه “

سمر نادر

“عن اسرار الليل وسكانه ”

لزمنٍ طويل ،
كنتُ اعتقد أن الليل يمضي ساعاته وحيدا” ، مرارا” سألت سواده عن صواب معتقداتي هذه ، و مرارا ً تمنّع عن الاجابة؛ الى أن لمعت في بال الشغب فكرة مشاكسة تقضي بأن أتقمص روح نجمةٍ و رحت أراقب بقلبٍ هائمٍ
اللذين يشاركون الليل تطريز اردانه المخرّمة …
ولشدة انبهاري كان لونه الاسود يتدرج في حلقات يصطفّ حولها أولئك اللذين اهدوا الليل عيونهم أو منحوها له دون إرادتهم أو بالقوة والغصب.

الحلقة الاوسع و الاشد حلكة ،
يتهادى فيها المتألمون يشدّون غطاء الاعياء الثقيل ، يتقاسمونه بوحشية كما تتقاسمهم ذئاب الاوجاع و تنهش نعاج اجسادهم الطرية دون شفقة.
هل يُدرك المتألمون أن للّيل لون يختلف عن بياض التعب؟

الحلقة الاقرب للعين يلامس حدادها أرواح البشر ،
حلقة الحزانى تفرط حبات الفقد حبةً حبةْ و مع كل حبة ينفطر قلب و تتكسر غصة …
وكل غصةٍ تصرخ بوجه الصبر ،
الى أن يفقد الصبر صبره وينفض أشواك صبّاره ويرتمي في حضن دمعة لم يمرّ في قاموس لغتها معنى الجفاف .
المحزونون خسروا “شقفة” من قلوبهم ، ربما قلوبهم كاملة وكللّ ليلهم رعب الفراغ.

لا شيء يملأ فراغ الغياب المفترس غير آخر شهقة على ابواب الابدية.
حينها تُنبت شقوق الاحزان زنابق بيضاء ليوم اللقاء الاخير…

ليل الجياع بنكهة القمح المتروك على بيادر الرحمة ، يتكوّر الجوع امام أعينهم بشكل رغيفٍ ساخنٍ.
هل قلتُ( ساخنا”) ؟
وهل تفرق سخونة أو برودة
لمعدةٍ مزقها الخواء ؟!
و ما الفرق حين تصبح كسرة خبز يابسة اشهى حتى من الحياة.!!

الحلقة الاكثر حماسا” والاكثر بين الالوان صخبا” حيث يتجمهر الشهداء ، يتناوبون على حراسة ثورة بلادهم ..
يتلذذون بطعم النصر المجنّح بالنور ثم يهيمون بشراسة بحثا” عن حضن وطن.
يعشق الليل سهر الشهداء ،
فكيف ينام شهيد و دمه يغلي تحت التراب؟؟

كنت ألهث خلف نجمتي ، أحاول إلتقاط أنفاسي وأنا أُحصي على أصابعٍ من نار
أهل الليل المتوقّدين في ظلامه.

يا ترى هل يذكر الليل الامهات الثكالى ؟ هل يدوّن تواقيعهن على صفحات بياضه؟
هل يعطي لهن فسحة في قلب داره أم يتركهن على عتبات المرارة والتشظي ؟
أم إنهنّ إستثناء لااااا ليل لهنّ سوى لهيب النحيب ولا نهار قادر على كفكفة دمع ارواحهن الممزقة.

كم بعد من الاسرار سيتجلى لي قبل أن يسرق النعاس اجفان نجمتي.
كم حلقة بعد تنتظر سهادي ؟

الحلقة الخجولة الداكنة يحتلّها الظلم يوزّع على المنسيّن خلف قضبان الحقد منشورات عن الحقيقة المتيبسة في الحناجر .
المظلومون لا يعرفون طعم النوم يتوسدون الشوك ، يحزّون جسد الجدران بأظافر الظلمة حولهم،من طاقة الامل المنسي تمتدّ اياديهم بخيوط وحبات خرز ملونة تحاول حياكة وشاحا” لامعا” للحرية.

لا تغمض عين العذاب للمشردين
بين أشلاء الخوف ولقمة العيش الذليلة ، لا سقف يأوي ضياعهم ،
اللاجئون في شرايين الاوطان لا تعرف عيونهم النوم الاّ على شكل موتٍ غريبٍ مباغت .

كنت بحاجةٍ لكوب ماء باردة جدا” لأبتلع ضجيج الافكار حين تاهت مني نجمتي،
فتشت عنها في أعين الكثيرين .
ويا لدهشتي وجدتها مفتونةً تُسامر
همس عاشقين و جنون شاعر.

تعليق واحد

  1. خاطرة جميلة جداً، بخيالها الواسع ولغتها الشعرية. تحيةً لكِ، أستاذة سمر، على هذا النص المتميز. وشكراً لزميلي وصديقي سعادة السفير زياد بيك المجالي على إرسال الرابط إليّ. واسمحيلي بأن أشارككِ هنا بقصيدة جاد بها خاطري مستوحياً أجواءَ نصِّكِ هذا…

    نجمةُ اللَّيْلِ

    نجمةٌ تَرْقُبُ اللَّيْلَ،
    تَسْبُرُ غَوْرَ دوائرِهِ المُسْتَفَزَّةِ عَبْرَ المدى

    آهـةٌ ها هُنا من قلوبِ الثَّكالى،
    أنَّـةٌ ها هُنا من دَمِ المُتعَبينِ،
    وحَشْرَجَةٌ أَوْصَلَتْ آخِرَ الشُّهَدا

    ودموعٌ بطَعْمِ الرَّغيفِ،
    يُخَزِّنُها اللَّيْلُ،
    يَمسحُ دمعتَهُ بِيَدٍ،
    ويَمُدُّ يدا

    وهُنا يَنْبُتُ الحُزْنُ،
    يغدو زنابقَ بيضاءَ تشتاقُ يومَ اللِّقاءِ الأخيرِ،
    وقَطْرَ النَّدى

    وهُنا شهقةٌ تفتحُ باباً إلى الأَبديَّةِ،
    حيثُ الحكايةُ، كلُّ الحكايةِ،
    في الأصلِ قد بدأَتْ
    والمَسيرُ الطَّويلُ ابتدا

    نجمةٌ تَرْقُبُ اللَّيْلَ،
    تَسْتَرِقُ السَّمْعَ،
    يَجرحُها ما تَيَسَّرَ من نَبَضاتِ القلوبِ
    ورَجْعِ الصَّدى

    ثُمَّ تَرجِعُ مُوجَعَةً في الصَّباحِ إلى بيتِها،
    لا يُهَدِّىءُ أوجاعَها غيرُ نجوى حبيبَيْنِ،
    ضِحكةُ طفلٍ تقافَزَ،
    أو شاعرٍ أنشدا

    إبراهيم عواوده
    بريتوريا، ١١ كانون الأول ٢٠١٨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق